الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

60

مختصر الامثل

والآية التالية تردّ على تلك العقائد الخرافية فتؤكد أنّ اللَّه هو ذلك الذي أبدع خلق السماوات والأرض : « بَدِيعُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . « البديع » : تعني موجد الشيء بغير سابق وجود ، أي انّ اللَّه أوجد السماوات والأرض بغير أن يسبق ذلك وجود مادة أو خطة سابقة . ثم كيف يمكن أن يكون له أبناء دون أن تكون له زوجة ؟ ! « أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ » . وما حاجته إلى زوجة ؟ ثم من التي تكون زوجته وهم جميعاً مخلوقاته ؟ ومرّة أخرى تؤكد الآية مقامه باعتباره خالقاً لكل شيء ، ومحيطاً بكل شيء : « وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلّ شىْءٍ عَلِيمٌ » . الآية الثالثة تؤكد على سبيل الاستنتاج من كل ما سبق ، من ذكر خالقية اللَّه لكل شيء ، وإبداعه السماوات والأرض وإيجادها ، وكونه منزّهاً عن الصفات والعوارض الجسمية وعن الحاجة إلى الزوجة والأبناء وإحاطته العلمية بكل شيء : « ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ » فلا يستحق العبودية غيره . ولكي ينقطع كل أمل بغير اللَّه ، وتنقلع كل جذور الشرك والاعتماد على غير اللَّه ، تختتم الآية بالقول : « وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ وَكِيلٌ » . الآية الأخيرة من الآيات مورد البحث ، ومن أجل إثبات حاكمية اللَّه وإحاطته بكل شيء وحفاظه على كل شيء ، وكذلك لإثبات أنّه يختلف عن كل شيء ، تقول : « لَاتُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » . أي : إنّه الخبير بمصالح عبيده وبحاجاتهم ، ويتعامل معهم بمقتضى لطفه . في الحقيقة أنّ من يريد أن يكون حافظ كل شيء ومربيه وملجأه لابد أن يتّصف بهذه الصفات . لا تدركه الأبصار : تثبت الأدلة العقلية أنّ اللَّه لا يمكن أن يرى بالعين ، لأنّ العين لا تستطيع أن ترى إلّاالأجسام ، أو على الأصح بعضاً من كيفيات الأجسام ، فإذا لم يكن الشيء جسماً ولا كيفية من كيفيات الجسم ، لا يمكن أن تراه العين ، وبتعبير آخر ، إذا أمكنت رؤية شيء بالعين ، فلأنّ لهذا الشيء حيّزاً واتجاهاً وكتلة ، في حين أنّ اللَّه أرفع من أن يتصف بهذه الصفات ، فهو وجود غير محدود وهو أسمى من عالم المادة المحدود في كل شيء .